المقدمة

ظللت متعجّبة من أصوات الزغاريد التي أطلقتها تلك الأم الفلسطينية على الشاشة عندما زفّوا إليها خبر استشهاد ابنها! فكيف لأم -ومن منا لا يعرف معنى الأمومة؟- قد مات ابنها أن تطلق الزغاريد وتستقبل التهاني بدلاً من أن تذرف الدموع إلى آخر يوم في حياتها، ظللتُ على حالي هذا حتى سمعتها تتلو آيات الله في كتابه الكريم على المذيع فتقول: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، لقد استوقفتني تلك الآيات وكأنني أقرأها لأول مرة، نعم! فلمَ الحزن على من اختاره الله تعالى ليغادر هذه الحياة وينعم في جنات النعيم بجواره؟!.


تضحية المجاهدين في سبيل الوطن

تربي الأمهات أبناءهنّ أطفالاً، وترعينهم سنين طويلة حتى يصبحوا شباباً كالورد في بستان هذه الحياة، وتبدأن برسم النهايات السعيدة لمستقبلهم، فهذه ترى ابنها طياراً يحلق خلف أحلامه، وتلك تراه عريساً سينجب خمسة من الأبناء، وأخرى تراه إلى جانبها طبيباً، دون أن يعلمن أنّ ما ربينهم من أبناء لهم حلم آخر وهدف مختلف هو الشهادة في سبيل الله والوطن! نعم، فهذا الشاب منذ أن رأى أرض وطنه تدنّس بغاصب محتل يمشي عليها، ويأكل من ثمرها، ويتنفس هواءها، وقد قطع على نفسه عهداً بألّا تغمض له عين أو يرتاح له بال إلّا وقد أُخرج هذا المحتل من أرضه لتنعم بحريتها وطهرها من جديد.


هذا الشاب في عمر الورد هو شاب مثله مثل بقية أٌقرانه من الشباب، يحب الحياة، ويحب الأهل والأصدقاء، ويحلم بأن يتخرج من جامعته، ويلتقي بشريكة حياته التي سيتزوجها وينجب منها جيشاً من الأولاد والبنات، لكنّه يحب وطنه أكثر من هذا كلّه، فتراه لا يقبل أن يدنّسها عدو، أو أن يسلبها حريّتها غاصب، ومن هنا تبدأ فكرة الانتقام لوطنه وشرفه تراوده، ثمّ تتحرك دماؤه الزكية في العروق، فينتفض دفاعاً عن بلاده دون خوف أو تردد، فما ينتظره عند الله عظيم، كيف لا وقد وعده الله بجنات النعيم، وبشفاعة الرسول الكريم، وبأن يحفظ له جسده الطاهر بعيداً عن دود الأرض إلى يوم الدين، بل ويعده بأن يشفع لسبعين ألف من أهله يوم القيامة، فلم الحزن ولم البكاء؟


الخاتمة

فراقك أيّها الشهيد عظيم، والأماكن في بيت ذويك فارغة تناديك، وسريرك فارغ وغرفتك خالية من أصوات ضحكاتك التي اعتدنا عليها منك عند مداعبتك لأبناء إخوتك وأخواتك، لكنّ كل ذلك يهون عندما نتذكّر منزلتك العالية بجوار ربّك الكريم، وما بذلته من روح غالية في سبيل حرية وطنك، فذلك ينسينا ألمنا ويفجّر فينا مشاعر الفخر والكرامة، ويجعلنا نرفع أكفّنا داعيين الله أن يتقبّلك، وينولنا ما نلته من عزّ وفخار.