المقدمة
قال الله تعالى في محكم كتابه: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، بالإضافة إلى الكثير من الآيات الأخرى التي يأمر بها المؤمنين بالتفكّر في خلقه، والوقوف على آياته التي أودعها في كونه آية آية لعلّهم يرشدون، فالتفكّر هو مهنة الأنبياء التي امتهنوها قبل أي مهنة أخرى، وهو نبراس طريق الصواب الذي اهتدوا به إلى وجود الله تعالى، أليس هذا سيدنا إبراهيم يمضي أياماً وساعات في البحث عن ربّ الكون وربّه بعد تفكّره بآيات الشمس، والقمر، والكواكب وغيرها!، بل إنّها عادة كل الأنبياء التي لم تكن محصورة به.
عبادة التفكّر في خلق الله
أتدرون كيف يكون الإنسان في عبادة من غير صلاة أو صيام، أو زكاة أو حج أو نُسك! نعم يستطيع أن يكون عابداً مأجوراً على عبادته إن جلس سارحاً في ملكوت الله متفكّراًً، وفي آياته المنتشرة في كل أنحاء كونه متدبراً، فالتفكّر هو أفضل العبادات، وأيسر الطاعات، وأعظم التسليم والإذعان لله الخالق المبدع، كيف لا وبتفكّر الإنسان يقرّ رغبة وطوعاً بجبروت الإله، ويعترف بعظمته وحسن صنعه!، كيف لا وفي كل تفصيلة جديدة يعلمها الإنسان يزداد إيماناً ورسوخاً بأنّه ليس ثمّة مَن هو أحقّ بالطاعة والعبادة من رب العرش العظيم!.
مناحي التفكّر في خلق الله
ليس على الإنسان أن يبتعد عن نفسه قيد أنملة حتى ينطلق في ملكوت التفكّر وعالمه الكبير، وأنا أقصد بذلك أن يجلس الإنسان متفكّراًً في خلقه ونفسه، وفي كونه نطفة من ماء مهين قدّر الله له العيش من بين ملايين الأحياء المجهرية، وكيف تحوّل شيئاً فشيئاً إلى قطعة لحم حمراء تخلّقت بكل براعة وإبداع في رحم أمٌّ اتّكلت على الله الواحد القهّار في ذلك، فبينما هي تنجز أعمالها ينفث الله فيك من أمر الروح التي لا يعلم عنها العلماء -رغم علمهم- شيئاً حتى اليوم، ويخلّقك ويشكّلك في أحسن صورة ما استطاع غيره تشكيلك عليها، فهذا دماغك الذي يفوق في تعقيده، ووصلاته العصبية، ومراكز التفكير والذاكرة فيه أعظم ما توصّلت إليه البشرية من حواسيب وروبوتات، وها هو يبدع في ضخ شبكة فيك يفوق طولها طول شريط قد يلتف حول الكرة الأرضية من أوعية قلبية، وعصبية، وحسية، وها هو يقدّر لك رزقك، ويحفظ لك حياتك بإيجادك في رحم مظلم والماء محيط بك تتنفس، وتتغذى، وتطرح فضلاتك من خلاله بتلقائية دون جهد منك.
وها هي الجبال راسيات من حولك كأنها أوتاداً، والسماء مرفوعة فوقك بلا عمد تراها بثبات فيا للعجب! وها هي البحار بأعماقها وبما تضمّه من ملايين المخلوقات العظيمة والدقيقة تشهد على أن لا إله إلّا هذا الرب الواحد الأحد، المبدع الصمد، وها هي كل المجرات وما فيها من كواكب، وشموس، وأقمار وأجسام كلها توحّد للعظيم وهي لا توازي ذرة في بديع ملكه، بينما تقف أنت حائراً تُعد مظاهر عظمته وجبروته بتفكرك ولن تستطيع لها عدّاً.
الخاتمة
فلنتفكّر في خلق الله لأن التفكر وسيلتنا للاتصال بالروح ورب الروح وسط عالم زاخر بالماديات المرهقة، وليس أجمل للنفس من مناجاة ربّ الروح والاتصال به في ساعات الخلوات، وجلسات التفكّر والمناجاة.
للمزيد من المواضيع: موضوع تعبير عن الطبيعة، موضوع تعبير عن البحر وجماله