المقدمة

في غابة بعيدة جلس "الخير" منفرداً حزيناً تحت ظل شجرة، وقد رأى ما آل إليه حال الناس الطيبين في هذه الأيام، فأطرق يفكر طويلاً والهم يعتلي وجهه، فيما مرّ من جانبه "الشر" وعلى محيّاه ابتسامة صفراء شامتة، فلم يلتفت إليه الخير بل ظلّ على حاله، وهنا أمسك الشرّ حجراً وضربه للخير ضاحكاً فأصابه في صدره.


حوار الخير والشر

قال الشر ضاحكاً: هيه..أتتظاهر بأنك لا تراني؟ أنا هنا انظر إلي جيداً أيها المنكسر المهزوم، وهذا حجر آخر سأصيب به رأسك لتتأكد من وجودي، ها خذ.

تألم الخير ووضع يده على موضع الضربة وقال له: اسمع يا هذا، فلتمضِ في طريقك ولتدعني وشأني، فلأنني الخير لن أردّ لك إساءتك هذه، فابتسم الشر ابتسامة ماكرة وقال: هاهاها...لأنك الخير لن تردها؟ أم لأنّك ضعيف لا تقوى على فعل شيء؟ أم لأنك أعمى لا ترى ما يدور حولك؟ انظر انظر إلى الأحوال من حولك أما زلت تظنّ أنّك في عهد الأولياء والصحابة الصالحين؟

انظر كيف يسرق الغني الفقير فيزداد غنى بأمري، وكيف أضحك على الشباب فأغويهم وأزين لهم طرق العلاقات المحرمة على الإنترنت وفي الواقع بذكائي، وكيف أدفعهم إلى طريق المخدرات والسجائر والفجور، انظر كيف أقطع علاقة الأخ بأخيه، والابن بأبيه وأمه، بل وأجعله يزجّ بهما في بيوت المسنين، وكيف أغوى الفتيات وأجعلهن يبتعدن عن طريق الحشمة، والحياء، ويتوجّهن إلى التبرّج والفجور بحنكتي، وكل ذلك عن رضا منهم ومن غير تأنيب ضمير..ياه كم أنا ذكي وأستحق التربع على عرش العالم هاهاهاها، وهذا ما أعدك به فعلاً؛ فالشرّ أساسه شرارة وناره كبيرة تأكل الأخضر واليابس، وتمتد وتتفاقم، أمّا أنت أيها المسكين فما زلت في تضاؤل وتضاؤل حتى إنك ستختفي يوماً ما نياهاهاها.


نظر الخير بحسرة وخيبة حوله، فما يقوله الشر -للأسف- واقع وصحيح، لكن هتاف "العزيمة" التي كانت تجلس على مقربة منهما وتسمع الحوار، وتشجيع "الإخلاص" الذي كان يغسل نفسه في البحيرة المجاورة، وتصفيق "المروءة" التي كانت مارة فاستوقفها الحوار، كل هؤلاء دفعوا الخير ليتشّجع ويردّ على ادّعاءات الشر الكاذبة، فقال له: أيها النور الموهوم، أتظنّ أنّ هناك حريقاً تستمر إلى ما لا نهاية؟ بالطبع لا، فكل لهيب وإن طال زائل، وأنت كذلك ستغوي الجهلاء البلهاء من البشر حتى يقضوا على بعضهم البعض، لكنك لن تستطيع النيل أبداً من القلوب الطاهرة النقية التي تعرفك على حقيقتك، فكل شيء ليس فيه نية الإخلاص والصفاء سيزول حتماً، وإن كنت لا تصدّقني فلتقرأ في قصص القرآن والتاريخ، ولتقف عند قصة سيدنا يوسف والعزيز حين حصحص الحق على لسان امرأة العزيز نفسها بعد سنين طوال، وعلى لسان إخوة يوسف بعد عشرات السنين، وقصة أهل الكهف، وفرعون وغيرها الكثير الكثير، أيها "الشر" الأحمق قد يضعف الخير يوماً لكنه لن يموت، لن يموت لأنّ هناك إخلاص، وإرادة، وعزيمة، ومروءة تدفعه دوماً وتشدّ من أزره.


الخاتمة

صفّق الحاضرون للخير بحرارة شديدة، وعلا صوت استهزائهم على الشر وخيبته، وما أن سمع الشر ذلك، ورأى أنّه أصبح موضع سخرية الغابة حتى شدّ في خطاه فتعثّر في صخرة كانت على مقربة من البحيرة وسقط فيها، فيما تعالت ًوات الضحكات عليه، فأخذ يلملم نفسه سريعاً وولى هارباً إلى الأبد.