المقدمة

في عصر يوم ما من أيام العطلة الصيفية حضرت أمي بعض الشطائر الشهية واقترحت على والدي الذهاب لتناولها في الحقل المجاور كنوع من أنواع كسر الروتين اليومي، وافق أبي على هذه الفكرة الجميلة، فأعددنا عدتنا، وأخذنا دراجاتنا الهوائية لنلعب في الحقل، وانطلقنا إلى هناك، لقد بدا الحقل جميلاً شديد الخضرة من بعيد، وشجرة كبيرة جداً ومرتفعة تتوسطه، والجوّ صيفي منعش، باختصار لقد بدا كل شيء مثالي يومها.


شجرة البلوط

قطعنا الحقل متّجهين إلى تلك الشجرة التي رأيناها من بعيد، وما إن وصلنا حتى أدهشنا أنا وإخوتي جمالها وروعتها، فقد كانت عالية جداً وكثيفة الأغصان، فيما تتميّز أغصانها بخضرتها، بالإضافة إلى ما تحمله من ثمار غريبة كنت أشاهدها لأول مرة في حياتي، لقد شدتني تلك الرائحة التي تبعثها الشجرة في المكان، فاقتربت منها والتقطت ورقة وشممتها، فرائحتها طبيعية ومميزة، افترشنا الأرض، ووضعنا عدّتنا وبدأنا في تناول الشطائر، فيما أخذت أمي إحداها وجعلتها فتاتاً نثرته قريباً من مكان جلوسنا، فتعجبنا أنا وإخوتي من فعلها إلى أن رأينا عدداً كبيراً من العصافير التي هبطت من على أغصان الشجرة، بالإضافة إلى سنجاب صغير قد خرج من خلفها وقد أخذت جميعها تتناول ما نثرته أمي بحذر، فضحكنا بصوت منخفض حتى لا نرعبها، وأخذنا نراقبها بعناية.


رآني أبي أناظر هذه الشجرة الجميلة وأنا جالس تحتها، فبادرني الحديث قائلاً: أعرفت ما هذه الشجرة يا هاني؟ فأجبته بالنفي، فأنا لم أرها من قبل قط، فأخبرني بأنها شجرة بلوط، أو سنديان كما يُطلق عليها البعض، وهي من الأشجار دائمة الخضرة التي تحتفظ بثوبها الأخضر حتى في فصل الخريف، أمّا عن عمرها فهي من الأشجار المعمرة التي قد تعيش أجيالاً وأجيالاً، حيث يصل عمر الشجرة الواحدة إلى 500 عام أحيانا، لكنها لا تبدأ بطرح الثمر إلّا بعد أن تصبح شجرة ذات عشرين عاماً، تابع أبي معلوماته الشيقة وقال: وهذه الشجرة يا هاني لها عدة أنواع إلّا أنها تتميز جميعها بارتفاعها الكبير الذي قد يصل إلى عدّة طوابق سكنية، انظر إلى تفرعات أغصانها وتشابكاتها، وإلى ما تضمّه من عصافير جميلة تتخذها ملاذاً لها لتبني فيها أعشاشها.


قام أبي متوجّهاً إلى جذع الشجرة وأشار لي بالاقتراب، ثمّ طرق على جذعها ففعلتُ مثله، وقال: أترى مدى صلابة جذع هذه الشجرة وخشبها؟! إنّ هذا ما يجعلها من أجود أنواع الخشب المستخدم في صناعة الأثاث على تنوّعه، فمنها تُصنع خزائن المطابخ، والدواليب، والمقاعد وغيرها، أمّا ثمرها هذا فمفيد لعلاج بعض الأمراض والأعراض، ثمّ أخذ واحدة واقترب من الأرض وأخذ يدوّرها على رأسها المدبب من الأسفل، فدارت كأنها لعبة فضحكنا أنا وإخوتي وأخذنا نفعل مثله، فيما أخذت أختي الصغيرة تلتقط بعض الحبات الخضراء والوريقات وتجمعها في كيس بغية صُنع سلسلة منها.


الخاتمة

يا لجمال هذه الشجرة وشموخها، وتعدد استخداماتها فهي شجرة تسمح بالتقاء الصحب والأحبة في ظلالها الوارفة، وتشكّل ملجأً للطيور وبعض الحيوانات، وتمدنا بأجود الأخشاب لصنع الأثاث، بالإضافة إلى أنّها تزيين بيئتنا وتجمّلها.