المقدمة

ها نحن ذا نضع في يد حاتم الرجل الثلاثيني الذي سيتكفّل في إيصالنا إلى دولة الكويت مئات الدولارات حتى يحدد لنا اليوم الموعود الذي سنقوم به بهذه المغامرة، أخبرنا هذا الرجل أننا سنقطع العديد من الصحارى محمّلين في حافلة نقل مخصصة لذلك، وأنّ على كل منّا التأكد من صلاحية جواز سفره، وأخذ عدّته ولوازمه، وما سيحتاجه من ماء وطعام أثناء السفر، قبل الالتقاء بعد الفجر في المكان والوقت الموعودين.


بدء الرحلة

ها نحن ذا وقد حزمنا حقائبنا، وأخذنا كل ما يلزمنا من أمتعة نجتمع في المكان الموعد بعد الفجر قبيل شروق الشمس، وقد حملنا ما يكفينا من ماء مثلج بالإضافة إلى ما سنشتريه من الطريق، بدأنا رحلتنا والحماس يتقافز من أعيننا، وتجري الساعات ونحن نبتعد قليلاً فقليلاً عن مظاهر المدينة وما في من أبنية وعمران، لا أخفيكم أنني بدأتُ أحس بوحشة الطريق رغم أنني واحد من خمس رفاق بالإضافة إلى سائق يدعى دريد نسير معاً.


وصلنا مشارف الصحراء مع ساعات غروب الشمس، فكان الغروب فيها جميلاً، وأشعة الشمس التي تودع الأفق تتلألأ على حبّات الرمال الذهبية، أطفأتُ حزم الإنترنت على جوالي الذي شارفت بطاريته على النفاد لأبقيه لوقت الحاجة، وسألتُ دريد مستفهماً منه عن عدد المرات التي نقل فيها أناساً للكويت، فضحك بثقة وقال لي: اهدأ يا فتى ولا تقلق، فهذه وظيفتي منذ كنت شاباً في العشرين من عمري، وأثناء ذلك رن هاتف دريد وكانت زوجته التي تريد أن تطمئن عنه، استمر دريد في الحديث معها ما يقارب النصف ساعة، فيما نام أصحابي، وكنت على وشك النوم أنا أيضاً حتى سمعت دريداً يقول: اقفلي الخط الآن يبدو أنني ضللتُ الطريق!


الصحراء المخيفة

بالفعل كان ما سمعته صحيحاً، فقد ضللنا الطريق، وها نحن ذا نكمل يومنا الثالث في الصحراء على التوالي دون أن نجد من هذه الأرض الصفراء الواسعة مخرجاً، وكيف نجد مخرجاً ولا معلم فيها ولا إنسياً ولا جانيا! ثلاثة أيام ونحن لا نرى سوى الصبار وبعض النباتات الصحراوية، ولا نسمع سوى فحيح الأفاعي السامة، والزواحف، وعواء الذئاب الذي كان يعلو ويعلو في الليل، لم نكن ننام خوفاً من هجمة ذئب، أو لدغة أفعى أو عقرب، لقد كانت أيام صعبة جداً في هذه الصحراء الممتدة التي لا نهاية لها، وسط لهيب الظهيرة وصقيع الليل، أمّا ما معنا من ماء وطعام فنفدا، وهواتفنا قد قطعت فيها شبكات الاتصال، وبتنا ننتظر رحمة من الله تنقذنا من ضياعنا في هذه الأرض القاحلة الجدباء.


الخاتمة

ثلاثة أيام ونحن نتضرع لله تعالى ليمنّ علينا بالخلاص، وبينما نحن جلوس قبيل عصر اليوم الرابع وإذا بحافلة نقل تمر من طريقنا فتنتبه لنا، ويرأف من فيها لحالنا، فينزلون لمساعدتنا وقد حملوا الماء والطعام، ويشيرون لنا بأن نتبعهم، فتنقضي رحلتنا الصعبة، وينقضي هذا الكابوس المخيف.