المقدمة
تهون كل لحظات التعب التي نعانيها أنا وأولاد عمي وعمتي في قطاف الزيتون الذي يمتدّ أسابيع عديدة حينما نرى أكوام الزيتون الأخضر والأسود أمامنا آخر النهار، ونلمح تدفّق زيت الزيتون الصافي، ولونه الأخضر المعكّر، ورائحته التي تنعش الحواس من أنابيب معصرة الزيتون القريبة، وهذا الرجل ينادي على جدي ويخبره بأنّ عدد ليترات الزيت قد فاق -ببركة الله- عددها في كل السنوات السابقة، فيبتهج جدي وينذر أن يوزع عن كل "تنكة" زيت لترين منه؛ صدقة يطهّر بها أرضه ويبارك بها أمواله.
موسم قطاف الزيتون
يختلف موسم توجّه الناس لقطاف محصول الزيتون من عائلة إلى أخرى، فبعض العائلات تفضل أن تقوم بقطافه في شهر تشرين أول، في حين تفضّل عائلات أخرى الانتظار لحين سقوط المطر لقطافه، لاعتقادهم بأنّ أول المطر هو ما يمنح الثمر طعمه، ويبارك في المحصول، لا سيما إن كانت الغاية من قطافه هي الحصول على زيت زيتون صاف ينافس الزيوت الأخرى في جودته، أمّا جدي فيفضّل أن يتّجه بأسطوله العسكري المكوّن مني وإخوتي، وأولاد أعمامي وعماتي إلى وجهته العسكرية في منتصف الشهر، وأقول أسطولاً عسكرياً لأنّ رجلاً طاعناً في السن مثل جدي ربطته في أرضه وأشجار زيتونها علاقة بنوّة عميقة، لا يمكنه أن يرى مهمة قطاف ثمره إلّا مهمة عسكرية تستلزم منه الكثير من الحزم، والجدّ، والانضباط.
أمّا جدّتي صاحبة السعادة فحنونة بطبعها، يأتي دورها في موسم القطاف في توجيهنا، وتغذيتنا بما يقوّي عودنا في موسم يمتد من الصباح الباكر حتى مغيب الشمس، وعليه فإنك ترى هاتين اليدين الحنونتين اللتين استيقظت صاحبتهما باكراً وهما تعدّان أقراص الفطائر، وتجمعان بعض الخضار لإعداد أشهى المأكولات بطعم الحطب خلال ساعات العمل، فهذه الطماطم الحمراء تتحوّل إلى قلاية بالفلفل الحار لا تستطيع أن تجد لها مثيلاً ما حييت، وهذه الفطائر المعدّة بزيت زيتون السنة الماضية تقوينا، وتشحذنا للاستمرار، وكأس شاي ساخن يأتينا كل حين يكون بمثابة هرمون سعادة قُدِّم لك في كأس.
ننطلق في الحقل نقطف ثمر الزيتون تارة، ونتراشق به تارة أخرى، ونطلق النكات والمزاح تارة ثالثة، فيأتي صوت جدي من آخر الحقل وقد شقّ جنبات الأرض كزلزال عظيم "بس يا ولد إنت ويّاه، اشتغل بهمّة ورانا يوم طويل"، فننضبط على إثره كصف جنود في معسكر، ونتابع عملنا بابتسامات خفية، ونحن نتسابق على من سيستحقّ لقب بطل الحقل اليوم، حين يجمع أكبر كمية ممكنة منه.
الخاتمة
ينتهي اليوم بساعاته الطويلة، فننطلق إلى منازلنا بملابسنا الملطخة برائحة الأرض، وأيدينا التي تركت الأغصان آثار خشونة عليها، فنأخذ حماماً سريعاً، ونغطّ في نوم عميق استعداداً ليوم قطاف آخر.
للمزيد من المواضيع: موضوع تعبير عن شجرة الزيتون، موضوع تعبير عن شجرة التين