أرضُ البطولات

في الثانية من مساء يوم عادي كان شهم ابن الجيل الصاعد ذو السنوات التسع مستلقياً مماطلاً ما يتحتم على جسده الصغير فعله من واجبات، وهو يتضور جوعاً ويشاهد التلفاز بعد يوم مدرسي حافل، فأخذ يقلب القنوات محاولاً البحث عن برنامج مسلٍّ يمرّر به الوقت ريثما تنتهي والدته من إعداد الغداء، فاستوقفته محطة عالمية تبث باللغة العربية شدّه فيها رؤية علم بلاده يرفرف عالياً كما اعتاد شهم على رؤيته في الطابور الصباحي.


معركة الكرامة

دفعه فضوله لإزالة لائحة القنوات وجلس منصتاً، وإذا به يشاهد المذيعة تقول: يحيي الأردنيون الأسبوع المقبل ذكرى معركة الكرامة التي سجلها التاريخ بحبر شرف في الواحد والعشرين من شهر آذار ليحكي تفاصيلها لأبناء الأمة العربية، وكل الأمم بجهود من القوات المسلحة بعد سحقهم لما يسمى "بأسطورة الجيش الذي لا يقهر" محققاً بذلك ما عجزت عنه جيوش كثيرة، وفي هذه اللحظة شعر شهم بشيء من الفخر والسعادة البريئة التي تومئ بأنّ هذا الفخر فخرنا، وهذا الجيش جيشنا وهؤلاء أجدادنا، فلمعت عيناه اختيالاً وفرحاً بهذا الإنجاز العظيم.


وبينما هو غارق في تأملاته قاطعه صوت والدته وهي تنادي: شهم...شهم ما بالك لا ترد يا ولدي!؟ هيا اذهب ونادِ والدك فالغداء على المائدة، شهم ااه يا للولد.

شهم: ااه نعم أمي، حاضر حاضر.

ذهب شهم بسرعة البرق إلى والده الذي كان في حديقة المنزل يعمل فيها، وقال له: أبي إذا سمحت هلا أتيت حالا؟ نحن بانتظارك على المائدة.

تنفس الوالد الصعداء وقال له: حسنا يا بني إني آتٍ.

وبعد أن تحلّق الجميع حول المائدة وبدأوا في تناول الطعام لاحظت الأم أن ابنها يمسك بالملعقة ويدورها في الصحن، فقالت له: شهم، كُل!.

نظر الوالد إلى ابنه بانتباهٍ واستطرد محطماً ما بقي من شروده: ما الذي يشغل بالك يا بُني؟

تنحنح شهم وسأل مستفهما بشغف: أبي هلا حدثتني عن معركة الكرامة؟

حاول الوالد إخفاء ابتسامته التي يغلبها طابع الاستغراب ورفع حاجبيه وقال برقة: بالتأكيد يا بني، إن وسامها مسدل على صدرك ولكنك لا تراه، تناول طعامك الآن وسأحدثك عنها بعد الغداء.

سبق شهم أباه إلى الأريكية بعد الغداء، وعندما أنهى الوالد غداءه، اقترب ليجلس بجانب ولده وقال: قل لي، من أخبرك عن معركة الكرامة؟

شهم: من التلفاز. شاهدت علم الأردن بصورة عديمة الألوان، والمذيعة ذكرت اسم هذه المعركة.

الأب: مم حسناً اسمع، يجب أن تعرف يا شهم أنّ وطنك الأردن مبارك تحرسه عناية الله، فترابه مروي بدماء الشهداء منذ فجر الإسلام؛ حيث يواري هذا التراب أجساد صحابة رسول الله، ومنهم: معاذ ابن جبل، وأبو عبيدة عامر ابن الجراح، وجعفر ابن أبي طالب، وغيرهم رضوان الله عليهم ـ وفي هذا التراب نفسه يجري نهر ماء مبارك تعمد فيه نبي الله عيسى، ومروراً بحقبات وفترات زمنية عديدة يا ولدي، جرت خلالها معارك مصيرية، وأحداث تاريخية يطول شرحها، كانت ملحمة الكرامة من واحدة منها، وهي معركة قامت دفاعاً عن تراب هذا الوطن النفيس من الطامعين.


أجاب شهم دون أن يخفي دهشته: نعم، كيف صارت، ومع من؟

الأب: ضد الكيان الصهيوني الغاصب.. ضد الجيش الإسرائيلي الأسطوري الذي لم يخسر في عدة حروب متتالية خاضها؛ بسبب أسلحته المتطورة، وسلاح جوه الرهيب، وما تتميز فيه صفوفه من تنظيم خططي واستراتيجي عالٍ، ولكننا هزمناه يا بني بقوة إيماننا بقضيتنا وأحقيتنا التاريخية، تخيل أن...

هنا قاطعه شهم، وقد نالت منه قشعريرة الفخار والعزة قائلا: حقا!.

فابتسم والده بعذوبة، وقال: نعم يا شهم، لا تستهن بنفسك، لأن ما أحدثك به ليس إلّا سطراً في مجلد ضخم.

أنت تجهل تاريخك وتراثك فقط، على أية حال دعني أكمل..


دخل الأعداء خلسةً فجر يوم الخميس الموافق م21/3/1968، من منافذنا الحدودية على طولها محصنين بسلاح المدفعية تحت غطاء من أسراب الطائرات طامعين في هذا الوطن الغالي، فتصدّى له رجالنا بكلّ ما يملكون من إمكانيات، فكانت النتيجة هزيمة الجيش الإسرائيلي على يد الجيش العربي الأردني وانسحابه من أرض المعركة، حيث بلغت خسائره 250 قتيلا و450 جريحاً، بالإضافة إلى تدمير عدد كبير من الآليات والمعدات التي ترك بعضها على أرض المعركة، بينما قدم الجيش الأردني 68 شهيداً، و108 من الجرحى، وتركت هذه المعركة آثاراً نفسية مهمة تمثلت في رفع الروح المعنوية للمواطن العربي عامة والأردني خاصة، وإعادة ثقته بنفسه، وأدى فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق مقاصده، إلى تحطيم أسطورة التفوّق العسكري للكيان المزعوم ومقولة "الجيش الذي لا يقهر".


الخاتمة

ابتسم شهم ابتسامة فخار وفضوله يدفعه لمعرفة المزيد وقال: أبي..هل تحتوي مكتبتك على كتب تتحدث عن هذه المعركة الخالدة بتفاصيلها؟

فأجابه الأب موافقاً: هناك العديد منها في المكتبة يا ولدي، فلتختر منها ما تشاء، ولتتعرف على تاريخ أجدادك المشرّف.