المقدمة

من منّا لا يتذكّر تلك المناظر الساحرة التي كان يختم بها التلفزيون العربي السوري برنامجه التلفزيوني! حيث تظهر فها مصايف سوريا الجميلة بمائها، وخضرتها، وأنواع الطيور والبط فيها، من منّا لم تبلل قدميه يوماً مياهها الباردة التي غاصت فيها ثمار البطيخ بعد أن وضعها من جاء لهذه المصايف في (سيران) جميل!، بهذه المشاهد أستذكر ريف دمشق، ووادي بردى الموجود فيه على وجه التحديد، وما تمتد على طوله سلسلة من القرى التي تتنافس في جمالها.


وادي بردى الجميل

لم يصف الشاعر أحمد شوقي وغيره من الشعراء وادي بردى، وذلك النهر الجميل الذي يجري فيه عبثاً حين قال:

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ

وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ


حيث يسير هذا النهر الذي سُمي باسم الوادي من منبعه عند البحيرة في شمال غرب دمشق وصولاً إلى منطقة ربوة دمشق، تاركاً وراءه لوحة بديعة من الخصب والجمال تظهر في أنحاء الوادي كلّه، فتجعله مكاناً مثالياً للمصايف والسباحة، وقضاء أجمل الأوقات، ويقال أن اسم بردى اشتقّ من كلمة (البرودة) التي يوفرها هذا النهر أثناء مروره في الوادي، ويقال أيضاً أنّ النهر كان يعرف باسم بارادويس ومعناه نهر الفردوس، فيما سماه الإغريق نهر الذهب وقدّسوه تقديساً.


في هذا الوادي الذي يُعتبر امتداداً لمنطقة الزبداني السورية انتشرت الاستراحات والمصايف المناسبة لقضاء أجمل الأوقات مع الصحب والاحبة، والتي ما إن تطأ قدماك أرضه تشعر ببرودة ندية توفّرها مياه النهر الجارية بلا توقف، والنباتات الخضراء اليانعة والأشجار، يزين ذلك كله صوت العصافير والطيور المختلفة التي اتخذت من هذا المكان الساحر بيوتاً لها، فجعلتك تتمنى لو أنّك عصفوراً لتتخذ هذا المكان موطناً لا تغادره أبداً، تستقبلك إحدى المتنزهات هناك بحفاوة، وأول ما يقع عليه ناظرك هي تلك الطاولات والمقاعد المستقرة في مياه النهر الباردة، ورائحة الشواء التي تتناسب مع أجواء التنزّه تلك، أمّا الزائرين فمنهم من اختار الاسترخاء بوضع قدميه في ماء النهر الجارية تحت طاولته، ومنهم من أخذ يلهو مع أطفاله وصحبه بالسباحة واللعب وآخر قد أخذ على عاتقه مهمة الشواء، ولا يكتمل المشهد إلّا بوضع ثمار البطيخ في مياه النهر الباردة لتنتقل هذه البرودة إليها وتصبح سائغة الطعم شهية النكهة، ومنظر البجعات التي تسبح في بعض البرك الاصطناعية هنا وهناك يزيد المكان روعة، أما إن شخصت بنظرك على جانبي الوادي للأعلى فتستطيع أن تلمح منظراً رائعا للجبال التي تحتضنه كما تحتضن الأم صغيرها بحنان.


الخاتمة

تغيب الشمس في هذا الوادي، لكنّ البهجة فيه لا تغيب، فأشعتها التي تنعكس على ماء النهر لترسم أجمل الصور، وتعلن بدء جلسات السمر والسهر حتى ساعات متأخرة من الليل فيه، ومثل هذا المكان نعمة علينا الحفاظ عليها من كل تلويث، وتخريب، وسوء.