المقدمة

في وصف زهر اللوز وشجره احتار الشاعر الكبير محمود درويش فقال:

ولوصف زهر اللوز، لا موسوعةُ الأزهار

تسعفني، ولا القاموسُ يسعفني...

سيخطفني الكلام إلى أَحابيل البلاغةِ

والبلاغَةُ تجرح المعنى وتمدح جُرْحَهُ

كمذكَّرٍ يُمْلي على الأُنثى مشاعرها

فكيف يشعُّ زهر اللوز في لغتي أَنا

وأنا الصدى؟


فكيف لنا نحن أن نصفها، ونبدع في وصفها وما أوتينا من البيان إلّا القليل، أمّا إن ظّنّ مني أحدكم المبالغة فليقف في حضرة شجرة لوز شامخة في أوائل فصل الربيع الأخضر، ليرى كيف سيقف مذهولاً صامتاً من شدّة جمالها!.


شجرة اللوز

شجرة اللوز شجرة موسمية تتوشح بردائها الأخضر الجميل مرة في فصل الربيع، فتعطي المكان سحراً وجمالية لا تمنحه إياه أي شجرة أخرى، أقول هذا وأنا أقف تحت هذه الشجرة العظيمة التي يبلغ طولها ما يقارب الثلاثة أمتار، فيما يبلغ عمرها -كما أخبرني البستاني في حقل جدي- ما يقارب العشرين عاماً، بل وأخبرني بأنّ بعض أشجار اللوز قد تعمّر لمدة تصل إلى خمسين عاماً، خمسين عاماً تحتفي فيها هذه الشجرة الجميلة كل عام بفصل الربيع كأنّه أحد أبنائها، فترتدي اللون الأخضر الموشّح بالزهور الوردية أو البيضاء ذات البتلات الخمس، وتنثر في المكان رائحة شذية لا تضاهيها أجمل عطور العالم، فيما تصبح عروس الحقل الذي زُرعت فيه، فتجذب إليها موكباً من النحلات والفراشات التي يُخيل للناظر أنّها جاءت لتزفّ هذه العروس، ولتزيد هذا المنظر حسناً ترسل الطبيعة بعض نسائمها العليلة لتهز بها أغصان الشجرة الكثيفة برقّة، فتتسبب بسقوط بعض الزهور بنعومة ليس لها مثيل حتى تغطي الأرض تحتها كأنّها فراش من الثلج!


أمّا عن عطاء هذه الشجرة فمنقطع النظير، ففي أواسط الربيع تبدأ هذه الزهرات الخجولات بالتحوّر والتحوّل إلى حبات لوز خضراء يانعة، ينتظر نضوجها الناس على أحرّ من الجمر، فطعم اللوز الأخضر الحاذق المغمّس بذرات الملح تختصر نكهة الربيع كاملاً وتقدّمها لمحبي هذه الثمرة على طبق من ذهب، أمّا الأمهات والجدات فلهنّ رأي آخر فيما يخص ذلك، إذ يحرصن على إبقاء كمية من هذه الثمار على الشجرة حتى تجف ويتغير لونها إلى اللون البني، ثمّ يقطفنه ويكسرن الجزء الخارجي الصلب منها ليحصلن على النواة، والتي هي حبة كاملة من اللوز الجاف الذي يُستخدم كنوع من أنواع المكسرات في الطهي، أو تزيين الحلويات، وليس هذا فحسب، فقد تستخرجن منه زيت اللوز المر الذي يعدّ مادة فعّالة جداً في الكثير من خلطات مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة والصابون، وذلك لفائدتها الفائقة للبشرة والجلد.


الخاتمة

شجرة اللوز هي بهجة الربيع التي تسعد القلوب المرهقة بمنظرها الجميل الناصع، وهي الأم المعطاءة التي تقدّم أجمل ما لديها من ثمار لأبنائها دون كلل أو ملل، فما أجمل أن نزرعها، ونعتني بها لتزيّن دوماً حقولنا كما يزين الطوق جيد العروس.